ابن الأثير
366
الكامل في التاريخ
الكلام علانية ولكن ننزل ثمّ نخلو جميعا فنتذاكر أمرنا ، فإن رأيت ما جئناك به حظّا لنفسك قبلته ، وإن رأينا فيما نسمع منك أمرا نرجو فيه العافية لم نردّه عليك . قال : فانزل . فنزل زياد وأصحابه على ماء هناك وأكلوا شيئا وعلّقوا على دوابّهم ، ووقف زياد في خمسة فوارس بين أصحابه وبين القوم ، وكانوا قد نزلوا أيضا ، وقال زياد لأصحابه : إنّ عدّتنا كعدّتهم ، وأرى أمرنا يصير إلى القتال ، فلا تكونوا أعجز الفريقين . وخرج زياد إلى الخرّيت فسمعهم يقولون : جاءنا القوم وهم كالّون تعبون ، فتركناهم حتى استراحوا ، هذا واللَّه سوء الرأي . فدعاه زياد وقال له : ما الّذي نقمت على أمير المؤمنين وعلينا حتى فارقتنا ؟ فقال : لم أرض صاحبكم إماما ولا سيرتكم سيرة فرأيت أن أعتزل « 1 » وأكون مع من يدعو إلى الشورى ، فقال له زياد : وهل يجتمع الناس على رجل يداني صاحبك الّذي فارقته علما باللَّه وسنّته وكتابه مع قرابته من الرسول ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وسابقته في الإسلام ؟ فقال له : ذلك لا أقول لك . فقال له زياد : ففيم قتلت ذلك الرجل المسلم ؟ فقال له : ما أنا قتلته وإنّما قتله طائفة من أصحابي . قال : فادفعهم إلينا . قال : ما لي إلى ذلك سبيل . فدعا زياد أصحابه ودعا الخرّيت أصحابه ، فاقتتلوا قتالا شديدا تطاعنوا بالرماح حتى لم يبق رمح ، وتضاربوا بالسيوف حتى انحنت ، وعقرت عامّة خيولهم ، وكثرت الجراحة فيهم ، وقتل من أصحاب زياد رجلان ومن أولئك خمسة وجاء الليل فحجز بينهما ، وقد كره بعضهم بعضا ، وجرح زياد ، فسار الخرّيت من الليل وسار زياد إلى البصرة ، وأتاهم خبر الخرّيت أنّه أتى الأهواز فنزل بجانب منها وتلاحق به ناس من أصحابهم فصاروا نحو مائتين ، فكتب زياد إلى عليّ بخبرهم وأنّه مقيم يداوي الجرحى وينتظر أمره .
--> ( 1 ) . أعتزلكم . P . C